عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

23

اللباب في علوم الكتاب

بمصدر أيضا ليصبح عطف [ الاسم ] على مثله ، والتقدير : لا يكن منكم لبس الحق بالباطل وكتمانه ، وكذا سائر نظائره . وقال « الكوفيون » : منصوب ب « واو » الصرف ، وقد تقدم معناه ، والوجه الأول أحسن ؛ لأنه نهي عن كل فعل على حدته ، وأما الوجه الثاني فإنه نهي عن الجمع ، ولا يلزم من النّهي عن الجمع بين الشّيئين النهي عن كل واحد على حدته إلا بدليل خارجي . فصل في المراد بالكتمان قال « ابن عبّاس » : يعني كتمانهم أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهم يعرفونه « 1 » . وقال « محمد بن سيرين » : نزل عصابة من ولد هارون ب « يثرب » لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدوّ عليهم ، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ ، فأقاموا ب « يثرب » يرجون أن يخرج محمد صلّى اللّه عليه وسلم بين ظهرانيهم ، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته ، فمضى أولئك الآباء ، وهم مؤمنون ، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء ، فأدركوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفون ، وهو معنى قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة : 89 ] . قوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال ، وعاملها : إما « تلبسوا » أو « تكتموا » إلّا أن عمل « تكتموا » أولى لوجهين : أحدهما : أنه أقرب . والثاني : أن كتمان الحقّ مع العلم به أبلغ ذمّا ، وفيه نوع مقابلة . ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال ؛ لأنه يستدعي الإضمار ، ولا يجوز إضمار الحال ؛ لأنه لا يكون إلا نكرة ، ولذلك منعوا الإخبار عنه ب « الذي » . فإن قيل : تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأوّل ما أثبتناه في الثاني من غير إضمار ، حتى لا يلزم المحظور المذكور ، والتقدير : ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون ، ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون . فالجواب : أن هذا لا يقال : فيه إعمال ، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في المهمل ، ثم يحذف . وأجاز « ابن عطيّة » « 2 » ألا تكون هذه الجملة حالا ، فإنه قال : « ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه الصلاة والسلام ، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق ، فعلى هذا لا تكون الجملة في موقع الحال » . وفيما قاله نظر .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 1 / 571 ) والأثر ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 125 ) . ( 2 ) ينظر المحرر الوجيز : 1 / 136 .